أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

333

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

قوله تعالى : مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ : في « من » قولان : أحدهما : أنها للتبعيض فتكون هي ومجرورها في محل نصب على الحال ويتعلق بمحذوف أي : ما يود الذين كفروا كائنين من أهل الكتاب . والثاني : أنها لبيان الجنس ، وبه قال الزمخشري . قوله : وَلَا الْمُشْرِكِينَ عطف على « أهل » المجرور بمن « ولا » زائدة للتوكيد لأن المعنى : ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين ، كقوله : لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ « 1 » بغير زيادة « لا » وزعم بعضهم أنه مخفوض على الجوار ، وأن الأصل : ولا المشركون عطفا على الذين ، وإنما خفض للمجاورة نحو بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ « 2 » في قراءة الجر ، وليس بواضح ، وقال النحاس : ويجوز ولا المشركون بعطفه على « الذين » وقال أبو البقاء : « وإن كان قد قرئ « ولا المشركون » بالرفع فهو عطف على الفاعل ، والظاهر أنه لم يقرأ بذلك ، وهذان القولان يؤيدان ادعاء الخفض على الجوار . قوله : أَنْ يُنَزَّلَ ناصب ومنصوب في تأويل مصدر مفعول ب « يود » أي : ما يود إنزال خير ، وبني الفعل للمفعول للعلم بالفاعل وللتصريح به في قوله : « من ربكم » وأتى ب « ما » في النفي دون غيرها لأنها النفي الحال ، وهم كانوا متلبسين بذلك . قوله : مِنْ خَيْرٍ هذا القائم مقام الفاعل و « من » زائدة أي : أن ينزل خير من ربكم . وحسن زيادتها هنا ، وإن كان « ينزل » لم يباشره حرف النفي لانسحاب النفي عليه من حيث المعنى ، لأنه إذا نفيت الودادة انتفى متعلقها ، وهذا له نظائر في كلامهم نحو : « ما أظن أحدا يقول ذلك إلا زيد » يرفع « زيد » بدلا من فاعل « يقول » وإن لم يباشر النفي لكنه في قوة : « ما يقول أحد ذلك إلا زيد في ظني » وقوله تعالى : أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ « 3 » زيدت الباء لأنه في معنى : أوليس اللّه بقادر ، وهذا على رأي سيبويه وأتباعه ، وأما الكوفيون والأخفش فلا يحتاجون إلى شيء من هذا ، وقيل : « من » للتبعيض أي : ما يودون أن ينزل من الخير قليل ولا كثير ، فعلى هذا يكون القائم مقام الفاعل : « عليكم » والمعنى : أن ينزل عليكم بخير من الخيور . قوله : مِنْ رَبِّكُمْ في « من » أيضا قولان : أحدهما : أنها لابتداء الغاية فتتعلق بينزل . والثاني : أنها للتبعيض ، ولا بد حينئذ من حذف مضاف تقديره : من خيور ربكم ، وتتعلق حينئذ بمحذوف لأنها ومجرورها صفة لقوله : « من خير » أي : من خير كائن من خيور ربكم ، ويكون في محلها وجهان : الجر على اللفظ ، والرفع على الموضع ، لأن « من » زائدة في « خير » فهو مرفوع تقديرا لقيامه مقام الفاعل كما تقدم . وتلخص مما تقدم أن في كل واحدة من لفظ « من » قولين الأولى : قيل إنها للتبعيض وقيل : لبيان الجنس . وفي الثانية قولان : زائدة أو للتبعيض . وفي الثالثة أيضا قولان : ابتداء الغاية أو التبعيض .

--> ( 1 ) سورة البينة ، آية ( 1 ) . ( 2 ) سورة المائدة ، آية ( 6 ) . ( 3 ) سورة الأحقاف ، آية ( 33 ) .